المنتدى المصري الحر

مرحبا بك زائرنا الكريم في منتداك مستفيدا ومفيدا الرجاء التسجيل أو الدخول
يـــــــــــــارب احفظ مـــــــــصر


تقرير هشام جنينة: بين التجاهل التام وثراء المحتوى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تقرير هشام جنينة: بين التجاهل التام وثراء المحتوى

مُساهمة من طرف بلبل حيران في السبت 30 يوليو 2016, 11:10 am



نشر موقع "مدى مصر" في 15.06.2016 نسخة مسربة من تقريرالجهاز المركزي للمحاسبات التي أدت تصريحات ذات صلة لرئيسه، المستشار هشام جنينة، إلى تعبئة الإعلام الموالي للدولة ضده "لمبالغته" في تقدير حجم الفساد في مصر، ثم عزله من منصبه، وأخيراً ملاحقته قضائياً بتهمة نشر أخبار كاذبة وتكدير السلم العام.

تتلخص أهمية تسريب ونشر هذا التقرير في أنه يمثل المرة الأولى في تاريخنا المعاصر التي يتم فيها تسريب تقرير رسمي مفصل بهذا الحجم والشمول، وفي استعراضه لعدد متنوع وضخم، يكاد يكون خيالياً، من حالات إهدار المال العام والاجراءات الرسمية التي اتبعتها أكبر جهة رقابية في البلاد حيالها.

ولا أظنني أبالغ حين أقول أنه يعد أكبر حالات الـ "whistle blowing" التي شهدتها مصر على الإطلاق.

أتى رد الفعل العام لحركات المعارضة ومثقفيها على هذا التقرير مخيباً جداً للآمال. فلم يلتفت له سوى عدد صغير جداً من المتخصصين، ولم يستخدمه أو يشر له أحد من النشطاء في مهاجمة الفساد كما كان يفترض أن يحدث مع تقرير كهذا، ولم يدشن تسريبه حواراً مجتمعياً حول مضمونه أو يثير حتى حواراً لائقاً على الإعلام البديل.

باختصار، تجاهلته كل الأطراف الفاعلة على الرغم من أهميته وبذلك بددت حركات المعارضة الفرصة الثمينة التي وفرها لها هذا التقرير لتدشين تحرك مختلف نوعياً لمناهضة الفساد في البلاد.

دفعني صمت مثقفي المعارضة العام إلى كتابة هذه الورقة، التي أحاول فيها رد الاعتبار إلى التقرير وتسليط الضوء على فوائده فيما يخص فهم الفساد في مصر والنضال ضده، على أمل أن يساهم ذلك في إعادة تسليط الضوء على مضمونه مرة أخرى.

أخذني هذا الهدف إلى محاولة تفسير أسباب إحجام مثقفي المعارضة عن الاشتباك مع محتوى التقرير بشكل جاد، وهو ما قادني، بدوره، إلى تحليل السياق الذي حكم إنتاج التقرير بعدما اكتشفت غياباً شبه تام لبعض خصائص هذا السياق الهامة عن الحوار العام حول جنينة وتقريره في الأوساط المعارضة.

لكن عندما بدأت في كتابة هذه الورقة وجدتني أشتبك مع الأهداف المذكورة بترتيب عكسي، فبدأت بتحليل رد الفعل الأولي على التقرير، ثم انتقلت إلى السياق الذي حكم إنتاجه، وأنتهيت بتسليط الضوء على جوهر التقرير وما فيه من معلومات شديدة الفائدة. قررت أن أتبع هذا الترتيب في النهاية لأنني أظن أن تفكيك بعض الجوانب السلبية لردود الأفعال الأولية على التقرير وتسليط الضوء على السياق الذي حكم إنتاجه أصبحا بمثابة شرطين لأي تعاط إيجابي مع أهداف التقرير ومحتواه وضمانة لعدم تكرار بعض سلبيات محاولات تحليلة الأولى التي انتهت إلى تبديد فرصة توظيفه للصالح العام.  

1. رد الفعل الأولي حدد مسار الاشتباك مع التقرير

أعقب موقع "مدى مصر" نشره لتقرير جنينة بنشر سلسلة مقالات لتحليل محتواه، وكان يفترض أن تدشن هذه السلسلة حواراً مجتمعياً لمناقشة التقرير، لكنها لم تستطع إنجاز ذلك وتوقفت عند ثلاث مقالات فقط لا غير.

نشرت المقالة الأولى، "ملاحظات موضوعية حول تقرير جنينة" لعمرو عدلي، بعد نشر التقرير بثلاثة أيام وخلصت إلى أن تقرير جنينه سيء، ومشوش، وغير متسق مع نفسه. تلتها مقالة لوائل جمال بعنوان "هل بالغت دراسة جنينة في تقدير حجم الفساد؟" أكدت أن التقرير يظهر أن تقدير جنينة لحجم الفساد محافظ وأن حجم الفساد الفعلي في أغلب الظن أكبر مما ذكره جنينة، ثم مقالة لسامر عطا الله بعنوان "تقرير جنينة: بعيدا عن المنهجية...ماذا عن الفساد؟" تستنج أن تقرير جنينة وإن كان لا يفيد في تقدير حجم الفساد في مصر إلا أن له عدداً من المزايا استعرضت المقالة بعضها، أهمها أنه كشف "تواطؤ الدولة في حماية المتورطين في الفساد."

لهذه المقالات مجتمعة أهمية خاصة حيث أنها صدرت عن محللين يتمتعون بتأثير قوي في الأوساط السياسية المعارضة والشبابية، بما يمكنها من تحديد قواعد الاشتباك مع التقرير المذكور وتأسيس الأطر التي ستحكم تحليله وتفسير معناه وتحديد قيمته لدى من ينتمون للأوساط التقدمية والليبرالية المعارضة.    

سوف يلاحظ القارئ أن المقالة التي قدمت هذه الثلاثية تجاهلت بشكل عام تحليل مظاهر إهدار المال العام وديناميكيات الإفساد التي وردت في التقرير وركزت في المقابل على مهاجمة منهجيته. ويبدو أن المقالة نجحت في تحديد حد هام للإطار الذي حكم تحليل التقرير بعدها، حيث دفعت كاتبي المقالتين التاليتين إلى الاعتذار ضمنياً عن العيوب المفترضة لمنهجية التقرير قبل الشروع في الاشتباك مع مضمونه.

أدعي هنا أن طريقة تقديم التقرير كوثيقة معيبة على النحو المذكور ساهمت في تجاهله في الأوساط المعارضة وقللت من فرص توظيفه ضد الفساد. فمن البديهي ألا يشد إنتباه الأوساط المعارضة تقرير يقدمه أهل ثقة على أنه ضعيف وغير مفيد. كما أدى تقديم التقرير على النحو المذكور إلى تأسيس إطار لتحليل التقرير يلزم المحلل بأن يبدأ تحليله بلفت نظر القارئ إلى السقطات المنهجية المفترضة للتقرير. من هنا وجب تفكيك هذه المقالة قبل الشروع في الحديث عن التقرير نفسه.

بداية لابد منها

تستهدف مقالة عدلي (مقالة المنهجية) تقييم التقرير المذكور "موضوعياً ومنهجياً بهدف الوقوف على دقة التقدير الذي وضعه التقرير لتكلفة الفساد في مصر في السنوات من 2012- 2015 عند 600 مليار جنيه." وتخلص إلى أن "تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات ليس فيه ما يدعم التقدير الذي يضعه لتكلفة الفساد بمصر بـ 600 مليار جنيه، بل إن التقرير كاشف عن ضعف مستوى واحد من أكبر الأجهزة الرقابية في مصر، وغياب الحد الأدنى من المنهجية والإتساق والقدرة على القيام بدراسة اقتصادية محاسبية دقيقة." وعلى الرغم من أن المقالة تثني على بعض التفاصيل التي وردت في التقرير إلا أن القارئ لا يستطيع تجاهل الحضور القوي للاستنتاج المذكور، وهو الاستنتاج المركزي للمقالة في كل الأحوال.

هنا يبرز سؤال محوري: أين قرأ عدلي مبلغ الـ 600 مليار في التقرير المذكور؟

أنا شخصيا لم أجد ذكراً له في التقرير، بل العكس، إذ يرصد التقرير حالات إهدار مال عام ربما تتجاوز التريليون جنيه؛ وأقول "ربما تتجاوز" لأن التقرير لا يجمع المبالغ التي يذكرها في أي مكان، ما دفعني إلى رصد بعض ما أورده من مبالغ وعندما اقتربت من 900 مليار توقفت (عند نصف التقرير تقريباً). ولازلنا حتى الآن نجهل إجمالي المبالغ التي وردت فيه لأن أحداً لم يجمعها، لكنها ربما تصل إلى ضعف المبلغ المتداول في قضية هشام جنينة (الـ 600 مليار).

من أين إذن استقى الكاتب هذا الرقم؟ الإجابة الواضحة: من الإعلام.

من المعروف أن هشام جنينة صرح لليوم السابع بأن حجم الفساد في مصر "تجاوز" الـ 600  مليار جنيه في فترة ولايته للجهاز (2012 - 2015). بعدها قام إعلام النظام بتشويه هذا التصريح على مستويين، أولاً عندما صوره كتصريح عن حجم الفساد في عام 2015 فقط، وثانياً عندما تم حذف كلمة "تجاوز" من جملة "تجاوز 600 مليار" فأصبح كأنما كان الرجل يقدم تقديراً دقيقاً لحجم الفساد في البلاد في حين أنه كان يتحدث بلغة "مش أقل من."

ومما رأيته في التقرير--وأنا لم أقرأه كله لضخامته--أظن أن التقرير ينصف تقدير جنينة التقريبي (هذا ما ذهب إليه وائل جمال، مثلاً، حين قال إن تقدير الـ 600 مليار محافظ وإن مجمل حجم الفساد في أغلب الظن يفوق هذا الرقم، وإن كان يبني رأيه في هذا الشأن على حجج أخرى خارج نطاق التقرير).

لم تكتف المقالة المذكورة بتبني مبلغ لم يرد في التقرير وإنما قررت سلفاً أن التقرير يستهدف تقدير حجم الفساد وهو هدف لم يرد في أي مكان فيه (سأتطرق لأهداف وطبيعة التقرير بعد قليل). من هنا وقع المحلل فريسة لبروباجندا النظام فبدأ يتبني بديهياتها ومعاييرها، التي لا تتعلق بالتقرير، ليحكم عليه في النهاية بالسقوط على أساس ما لم يدعه.

أوقع ذلك المحلل أيضاً في فخ استدعاء فكرة المنهج العلمي في غير محلها، لأن المنهج العلمي لا يعطي الباحث الحق في فرض أهداف على تقرير لم يتبنها لكي يستنتج في النهاية أنه لم يحققها بسبب منهجيته الرثة. كذلك، يكشف هذا الخطأ أن الكاتب لم يقرأ التقرير قبل كتابة مقالته بما يسمح له بالاشتباك الجاد مع محتواه وتعامل معه بتسرع سمح لبروباجندا النظام أن تتسرب تدريجياً إلى تحليله.

في النهاية أدى انطلاق التحليل المذكور من المنطلقات التي روجها النظام الحاكم إلى دفع المحلل إلى السير في مسار شبه حتمي نحو إعادة انتاج الاستنتاجات التي تروجها بروباجندا النظام عن جنينة وتقريره. فمقالته خرجت لتعدد مآخذ يفترض أنها جوهرية على التقرير يمكن تلخيصها على النحو التالي: إن ما ورد في التقرير مخالف للحقيقة، وينطوى على بيانات غير صحيحة، ويفتقر إلى الدقة، ولا يتبنى مفهوم الفساد المتعارف عليه (الذي يقتصر على الجرائم العمدية)، وبياناته فى هذا الإطار غير منضبطة، وتقديره بشأن تكلفة الفساد يتسم بعدم الدقة والتضخيم، ويتضمن احتساب مخالفات سابقة على فترة الدراسة، وتقييمه لقيمة الضرر مبالغ فيها بشكل كبير (عشر مرات على الأقل طبقاً لعدلي). هذه المآخذ تتطابق للأسف الشديد بشكل قوي مع الاتهامات التي وردت في بيان نيابة أمن الدولة بخصوص تحقيقاتها مع جنينة، وهو البيان الذي استخدمه النظام الحاكم لتبرير عزل جنينة من منصبه.

هدف التقرير وتعقيداته

الهدف المعلن للتقرير هو حساب بعض تكاليف الفساد بمختلف أنواعه في القطاع الإداري بما لا يختزله في نطاق التربح؛ وذلك من واقع السجلات الداخلية للجهاز المركزي الخاصة بالفترة من 2012 إلى 2015 (فترة ولاية جنينة). نحن إذن أمام مشروع يستهدف تجميع تحقيقات الجهاز في الفترة المذكورة في وثيقة واحدة من أجل التحذير من تكاليف الفساد على المجتمع. هذا في أغلب الظن ما دفع معدي التقرير إلى تسمية منهجيتهم في إعداده بـ"المنهجية التطبيقية."

يختلف هذا الهدف شكلاً وموضوعاً عن "تقدير حجم الفساد،" ولذلك نرى التقرير غير معني بتقديم تقدير مجمع لما يرصده من معاملات مشبوهة في أي مكان فيه. ولذلك أيضاً نرى أن جنينة عندما سئل عن حجم الفساد أجاب بأنه (الفساد) يتجاوز 600 مليار جنيه طبقاً لما رصده الجهاز على الرغم من أن مجمل ما ورد في تقريره يفوق هذا الرقم بمراحل. يؤكد ذلك أن جنينة وفريقه يعون الفرق بين ما رصدوه من تجاوزات والفساد طبقاً للتعريفات الضيقة، ومشكلة "سعر المثل،" الى آخر ذلك مما أخذ على التقرير.

يمكن للقراء استنتاج هدف ضمني آخر للتقرير لم يعلنه، فكأن التقرير يقول ضمنياً، "لقد رصدنا ممارسات إهدار المال العام في الفترة المذكورة وأبلغنا بها السلطات المعنية ولم يفعلوا شيئاً." وأظن أن هذا يفسر قيام التقرير بذكر الجهات التي تمت مخاطبتها في معظم الحالات التي أوردها، كما يتسق ذلك مع تصريح جنينة لـ "الاسوشيتدبرس" الذي أكد فيه إن النيابة العامة حققت في أقل من7٪ من البلاغات التي قدمها الجهاز وتجاهلت البلاغات الباقية.

يفتح الهدف المعلن الذي يتبناه التقرير الباب أمام إشكاليات واجهها معدو التقرير التي لا يواجهها الباحث الأكاديمي عادة، أرى ضرورة أن نتوقف عند أثنين منها لأنهما استخدما في وصم التقرير بالضعف. أولى هذه الإشكاليات هي إشكالية زمن ارتكاب المخالفة. مثلاً، إذا اكتشف الجهاز في عام 2012 مخالفة تمت في عام 1998 وحقق فيها في عام2012 عليه أن يضمها إلي تقرير كهذا لأنه تقرير يجمع ما رصده الجهاز في فترة محددة. ولا يجوز له أن يحذف مخالفات رصدها في هذه الفترة لوقوعها في فترة سابقة. نفس المنطق ينطبق على المخالفات التي رصدها الجهاز في فترة سابقة لكن أعاد رصدها في فترة التقرير لورود أحكام جددت التحقيق فيها في هذه الفترة (أحكام استعادة اراضي صدرت في فترة التقرير عن مخالفات سابقة ولم تنفذ، الخ).

من البديهي إذن أن تقريراً كهذا--إذا ما كان متسقاً مع نفسه ومع أهدافه--سيشمل حالات تعود لأوقات سابقة على الفترة المذكورة تم اكتشافها أو تجدد التحقيق فيها في خلال فترة التقرير. ولا يعني ذلك أن هذا "من شأنه أن يقلل من دقة تقدير تكلفة الفساد، والذي يجب أن يكون منحصراً في عدد معين من السنوات حتى يكون له معنى،" كما يقول عدلي، لأن هذا يخرج عن أهداف التقرير. كما أن هذا التقرير يمثل مصدراً أولياً للمعلومات يمكن الباحث المعني من تقدير حجم الفساد في فترة محددة من حذف ما يخرج عن هذه الفترة من تجميعه لحجم الفساد.

واجه معدو التقرير أيضاً ما يسمى بإشكالية تحديد "سعر المثل." تبرز هذه الإشكالية عندما تقوم الدولة مثلاً ببيع قطعة أرض بسعر يقل عن السعر الذي يمكن تقاضيه في هذه المعاملة. هنا تبرز أسئلة من نوع ما هو السعر الذي كان يمكن بيع الأرض به؟ كيف نحدده؟ هل هو أفضل سعر في السوق؟ أم متوسط سعر المتر في المنطقة؟ الخ. فطريقة تحديد "سعر المثل" ستحدد أيضاً حجم خسارة الدولة في هذه المعاملة.

يقول عدلي بخصوص هذه النقطة "إن التقرير لا يقدم أي توضيح لكيفية حساب سعر المثل، ولا للمنهجية التي يتبناها في هذا الصدد،" وتلعب هذه الملاحظة دوراً جوهرياً في وصوله لاستنتاجه العام عن التقرير. لكننا نعلم أنه لا يوجد "سعر مثل" يتفق عليه الجميع، والأهم من ذلك هو أن تقريراً كهذا غير ملزم بشرح منهجيته في تحديد "سعر المثل" لأنه "قدم وصفاً تفصيلياً مدعوماً بالوقائع والأرقام (مساحات الفدادين والغرض من استخدامها وأسعارها الرسمية التي تم التعاقد بها عليها)" كما يقول عدلي، ما يوفر للباحث كل المعلومات اللازمة لإعادة حساب حجم الضرر طبقاً للسعر الذي يرتأيه.

سيكتشف القارئ في النهاية أن كل ما قدم من براهين على ضعف التقرير ينبثق عن فرض أهداف على التقرير لا علاقة له بها، وأن التقرير يمكن الباحث الذي يريد تقدير حجم الفساد، طبقاً لأي تعريف للـ"فساد" يريد أن يتبناه أن يقوم بذلك. بل أنه من غير الوارد أن ينجح أي محلل في تقدير حجم الفساد طبقاً لتعريف فساد لا يتسق مع معدي التقرير إذا قام معدو التقرير بتصميمه بشكل يتبنى تعريفاً ضيقاً للفساد.

2. السياق الحاكم: صراع جنينة والنظام

لا يمكن فهم طبيعة هذا التقرير في معزل عن السياق الذي حكم صراع جنينه والنظام، الذي انتهى بقيام رئيس الجمهورية بعزل رئيس أهم هيئة رقابية في البلاد في مخالفة بينة للدستور والأعراف ذات الصلة. أتى هذا القرار المفاجئ (على الرغم من شيوع وصفه بالمتوقع) ليكشف حجم المأزق الذي واجه الدولة في هذا الوقت. فالمنطق كان يرجح ترك جنينة في منصبة حتى نهاية مدته بعد ٤ أشهر فقط من عزله. وتشير كل الشواهد المتعلقة بهذا الصراع إلى أن النظام تبنى هذه الاستراتيجية لمدة تقترب من العام بالفعل. لكن يبدو أن سبباً قهرياً فرض عليه في النهاية ألا يتحمل الانتظار لمدة 4 أشهر أخرى.

كذلك كان بمقدور النظام عزل جنينة بتكلفة أقل نسبياً إذا عزله بعد إصدار قانون عزل رؤساء الهيئات الرقابية الذي عزل بموجبه، حيث كان بمقدور النظام في حينها أن يوظف السياق والزخم اللذين أحاطا بإصدار القانون لتمرير عزله بخسائر معنوية أقل. لكن النظام ارتأى تأجيل عزله في ذلك الوقت خوفاً من تبعات غير معلنة لقرار العزل، ثم "وضع القانون في الثلاجة" لمدة 10 أشهر، إلى أن أجبره سبب لا نعلمه على استخدامه قبل نهاية رئاسة جنينة مباشرة.

وكان بإمكان النظام إخراج مشهد أقل تكلفة أيضاً إذا ما كان عزل جنينة في أوج حملة التشويه التي أثيرت ضده بعد تصريحه عن الفساد، لكنه آثر مرة أخرى ألا يعزله في حينها إلى أن أجبره سبب ما على عزله فقط بعد أن بردت حالة الحشد ضده.

يبدو إذن أن النظام اتخذ قراره بعزل جنينة بعد أن حاول تفاديه بشتى الطرق، وبعد زاد الضرر المعنوي على من يتخذه. فأنا، وإن كنت لم أدرس تطور رد الفعل العام على قضية جنينة مع الوقت، إلا إنني أظن أنه سيسهل إثبات حقيقة أن التأخر في عزله ساهم (مع عوامل سياسية أخرى) في أن تبدأ شريحة مؤثرة من مؤيدي السيسي في التردد في دعمها له وأن قضية تيران وصنافير أتت لتحسم هذا التردد عند الكثير منهم.

العبء المعنوي لقرار العزل

قدم النظام قرار عزل جنينة على خلفية تصريح "غير منضبط" له عن حجم الفساد في وقت كان يشهد انتصارات كبرى وبينة للفساد؛ منها زيارة النائب العام السويسري قبل تصريح جنينة بوقت قصير إلى مصر ليعلم السلطات أن سويسرا بصدد إلغاء تجميد أموال رجال مبارك المهربة لأن النظام المصري لم يتبع إجراءات استردادها. هكذا بدا أن النظام معني بعزل شخص بالغ في حجم الفساد لكنه لا يكترث البتة باسترداد الاموال المهربة.

كما فرض السياق السياسي على الإعلام أن يبث معزوفة "الموت لجنينة" مصحوبة بأخبار عن شروع الدولة في التصالح في قضايا فساد مع زكريا عزمي وحسين سالم ويوسف بطرس غالي؛ وأخبار براءات في قضايا فساد كثيرة لم يتح إلى الوقت لحصرها؛ وأخبار أخرى ذات صلة من نوع تنازل الدولة عن ٧ مليار جنيه استحقاقات ضريبية لشركة اوراسكوم، ودعم سعر الغاز لحديد عز ثم رفع سعر الحديد؛ ومع تغيرات اقتصادية كارتفاع اسعار الخدمات الأساسية (حملة "امسك فاتورة" كانت في أوج نشاطها في ذلك الوقت)، وخفض قيمة الجنيه الرسمية بنسبة تقترب من 15٪، وارتفاع أسعارالسلع الأساسية، واختفاء الأدوية، إلخ.

تزامنت حملة تهيئة الرأي العام لعزل جنينة أيضاً مع حملة شرسة ضد منظمات المجتمع المدني تضمنت تجميد أموال نشطاء ومنعهم من السفر وتحويلهم للمحاكمة، ومع حملة خطف النشطاء السياسيين (الاختفاء القسري)، وانتشار أخبار التعذيب وتعدد حالات قيام رجال شرطة بإهانة وقتل مواطنين (حادث الدرب الأحمر الذي تزامن حملة العزل كمثال).

أدى كل ذلك مجتمعاً في النهاية إلى تدهور كبير في شعبية ومصداقية النظام في الداخل وإلى توتر ملحوظ في علاقاته الخارجية. ويبدو أن قدر النظام أبى أن يقف عند هذا الحد فإذا بحادثة خطف وتعذيب الطالب الإيطالي، وما تبعها من حادثة عصابة الأجانب تأتيان لتزيدان الطين بلة، فأصبح موقف النظام حرجاً في الداخل والخارج وهو يعزل رئيس أهم جهة رقابية في البلاد لأنه "بالغ" في تقدير حجم الفساد.

أستطيع أن أعدد مظاهر أخرى لبيان حجم العبء المعنوي الذي صاحب القرار لكن أظن أن ما ورد يكفي للدلالة على حجمه ومركزية مفهوم "الفساد" فيه. وأظن أيضاً أن هذا الاستنتاج كان حاضراً بشدة في مخيلة من قاموا بتفجير قضية فساد وزراة الزراعة وما اشتملت عليه من أحداث شيقة وواضحة إلى درجة البؤوس من مطاردات لوزير الزراعة والقبض عليه في ميدان التحرير.  

عملية العزل

من الواضح أن النظام ظل يريد التخلص من جنينة على مدار عامين وأنه أجل هذا القرار لمدة طويلة خوفاً من شيء ما، ومن الواضح أيضاً أن شيئاً أجبره على اتخاذ قرار في النهاية في أسوأ توقيت ممكن وبأكبر خسارة معنوية ممكنة. وبكل تأكيد لم تكن التبعات السياسية لعزل جنينة، على أهميتها، وحدها هي التي أخافت النظام من قرار العزل، بل أظن أن ما أخافه وأجبره في نفس الوقت على اتخاذ القرار في أسوأ وقت ممكن هو التقرير محل النقاش، فهذا ما تكشفه ملابسات عزل جنينة.

تم عزل جنينة على خلفية تحقيق لم يواجه المتهم ولم يرفع عنه الحصانة ولم يحيله للمحاكمة، وهو رئيس أهم جهة رقابية في البلاد، ما يكشف أن قرار عزله خرج في عجلة سببها إحساس بذعر ما. التفسير المنطقي لذلك هو أن النظام كان يظن، من خلال رجاله داخل الجهاز (أنظر بيان النيابة المذكور)، أن جنينة انتهى من تقريره وينوي نشره (نعلم الآن أن التقرير لم يكن جاهزاً بعد)، وهو ما يفسر عدم قدرته على الانتظار إلى أن يصدر قرار برفع الحصانة عن جنينة وإحالته للمحاكمة كي يخرج المشهد بشكل مقبول نسبياً.

كذلك سبق قرار العزل قراراً من النيابة بمنع النشر في قضية جنينة بعد يوم من تصريحه بأنه سيرد على كل الاتهامات الموجه له في الإعلام بالوثائق، ما عنى سلبه حق تصحيح ما يروجه الإعلام عن تصريحه، والأهم من ذلك هو منعه من نشر أي شيء.

هنا وجبت الاشارة إلى أن جنينة أكد في تصريح ”اليوم السابع“ الذي أثار الحملة ضده أنه سيعقد مؤتمراً صحفياً خلال الفترة المقبلة لعرض إنجازات الجهاز وأهم ما رصده الجهاز خلال تقاريره، وأكد أكثر من مرة أن لديه من الوثائق ما يثبت صحة تصريحاته. لكن من المعروف أيضاً أن جنينة على الرغم من كثرة إشارته للوثائق التي بحوزته لم يكن بمقدوره نشرها لأن هذا يعتبر فعلاً يعاقب عليه القانون. ولذلك كان بحاجة إلى مسرحية ختامية ليقدم ما لديه.

قام الإعلام بعدها بتحريف تصريح جنينة كما قلت من قبل وأتى قرار حظر النشر فجمد حالة النقاش على "حدوتة" الإعلام في هذا الشأن. بعدها خرقت نيابة أمن الدولة حالة "السكون" هذه عندما أصدرت بيانها الصحفي المذكور، الذي اشتمل على معلومات بدت غريبة في حينها لكنها تعزز الاستنتاج الذي أتقدم به هنا، حيث يقول البيان "وقد أشارت تحريات هيئة الرقابة الإدارية، إلى قيام رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات بجمع المستندات والتقارير، والمعلومات، والاحتفاظ بصورها وبعض من أصولها، مستغلا فى ذلك صلاحيات منصبه."

نحن إذن أمام صراع وسباق مع الزمن يخص نشر معلومات ومستندات بعينها، يتمحور بالأساس حول منع نشر التقرير.

خرج قرار العزل أخيراً في "عز الليل" بعد مغادرة جنينة ومساعدوه لمكاتبهم ووصولهم لمنازلهم، ما أنطوى على تسرع لم يقف عنده أحد في ذلك الوقت. وعقب صدور قرار العزل بدقائق، أو هكذا أعلن، توجهت فرقة أمنية إلى مقر الجهاز المركزي للمحاسبات، ما كشف عن وجود تنسيق بين أجهزة أمنية عديدة في هذا الشأن سبق إصدار بيان النيابة. قامت هذه الفرقة بتفتيش مكتب جنينة ومساعديه وصادرت أوراقهم ومستنداتهم في "عز الليل" وربما استمروا حتى الفجر. في صباح اليوم التالي منعت الفرقة الأمنية المذكورة مساعدي جنينة من دخول مكاتبهم وتولت لجان أمنية حصر كل الأوراق التي كانت بحوزتهم وفي مكاتبهم ومصادرتها.

التفسير المنطقي لأحداث جنينة هو أن النظام ظل يخشى عزله حتى لا يسرب المعلومات التي بحوزته وراهن على طرق أخرى لمنعه من نشرها، لكنه أجبر في النهاية على عزله بعد أن نقل له رجاله داخل الجهاز أن جنينة انتهى من إعداد التقرير وينوي نشره بغض النظر عن تدابير النظام الأخرى. في ظل هذا الطرح يمكن تفسير صدور قانون العزل في مرحلة متقدمة على أنه كان يستهدف إرهاب جنينة لا بالضرورة عزله في هذا الوقت، وأن النظام لم يكن يريد أن يصل بتصعيد الأمور إلى حد إجبار جنينة على تسريب ما لديه إلى الإعلام؛ وعندما قرر عزله حاول قطع الطريق على تسريبه بمداهماته المفاجئة ومصادرته للوثائق والمستندات التي بحوزة مجموعة جنينة كلها.

لكن يبدو أن النظام وجنينة ارتكبا خطأً فادحاً في تقدير تأثير تسريب هذه المعلومات إلى الرأي العام.

تأثير هذا السياق على شخصية التقرير

من السهل تخمين هوية معدي التقرير. هم مجموعة الجهاز المركزي للمحاسبات التي ثارت ضد رئيس الجهاز المستشار جودت الملط بعد ثورة يناير واتهمته بالتستر على الفساد وطالبت بإقالته. من السهل أيضاً تخيل سعادتهم بتعيين هشام جنينة رئيساً للجهاز. فجنينة تم تعينه في 2012 ولم يكن وارداً أن يعين في هذا المنصب شخص مثله قبل الثورة أو بعد قدوم السيسي.

نحن إذن أمام تقرير أعدته مجموعة معارضة اتخذت من الثورة أملاً ومن هشام جنينة فرصة للنضال واستقوت في سبيل ذلك بلحظة تاريخية فريدة جداً من نوعها.

قام معدو التقرير بترجمة مشروعهم إلى تقرير مكون من 11 فصلاً أساسياً، مكرسين فصلاً لكل من القطاعات التي يشرف عليها الجهاز. يبدأ التقرير بالفصل الخاص بهيئة المجتمعات العمرانية التي تحتل تفاصيلها تقريباً نصف التقرير، فنراه في هذا الفصل يسرد الحالات التي حقق فيها الجهاز بالتفصيل ويفسرها ويحدد شكل البلاغات التي تقدم بها والجهات التي قدمها لها، ويقوم كذلك بعرض الحالات التي يستعرضها في جدول منظم ويجمع الخروقات الخاصة بكل إدارة على حدة.

يتحرك التقرير بعد ذلك إلى الفصل الخاص بقطاع البترول، وهنا نرى خطاباً غير منظم وسرداً لا يجمع ولا يبوب الحالات بشكل منتظم. وتزداد الحالة سوءاً كلما تقدم التقرير حتى تصبح الفصول بلا نظام ويختفي التبويب فيتوه القارئ في ثنايا التفاصيل. وعندما يصل التقرير إلى فصل الحكم المحلي نراه يرصد مخالفات مبهمة من نوع "صرف مبالغ دون وجه حق للمهندس الاستشاري المسند إليه التصميم والاشراف على بعض العمليات الإنشائية" (ص 274)، دون تحديد المبالغ او نوعية النشاط أو المشروعات التي يشير إليها. كذلك تنخفض عدد صفحات كل فصل بشكل تدريجي مع تقدم التقرير، من 142 صفحة لفصل الهيئات الخدمية والاقتصادية (أقل قليلاً من نصف التقرير) إلى 10 صفحات فقط للفصل العاشر (التأمين الاجتماعي) ثم 4 صفحات للفصل التاسع (الإنتاج الحربي)، الخ.  

يعكس محتوى التقرير سباق فريق إعداده مع الزمن بشكل محزن، ويكشف أنهم لم ينتهوا من إعداد محتوى التقرير قبل وقف العمل فيه (في أغلب الظن كانوا يخططون لنشره في آخر ولاية جنينة). يستطيع القارئ كذلك أن يلمح فيما سربوه لهثهم وحذرهم وأن يتخيل بيئة العمل والتهديدات التي واكبت عملهم على تنفيذ مشروعهم، حيث انعكس كل ذلك على تنظيم ومضمون تقريرهم. كما نستطيع استنتاج أن آخر أيام إعداد التقرير كانت قاسية عليهم. كذلك من المؤكد أن السياق المعادي لهم وتحديهم للسلطة أجبراهم على الإحساس بضرورة توثيق كل شيء ممكن، وأن يشتمل التقرير على حالات موثقة بمستندات رسمية الكثير منها بحوزة زملاء لهم موالين للنظام. فمحتوى التقرير يكشف أن هذه المجموعة لا تحظى بدعم كل إدارات الجهاز ولم تستطع الحصول على مستندات عدد كبير من القطاعات التي حاولت أن تدرجها في التقرير. ونعلم الآن من البيانات الرسمية ذات الصلة والتسريبات الصحفية أن زملاء لهم كانوا يراقبونهم ويرصدون تحركاتهم ويبلغون الجهات الأمنية عنها.

في النهاية منعت هذه الظروف مجموعة التقرير من تحقيق هدفها، فهم وإن كانوا أنجزوا نصف المهمة (نصف التقرير الأول) بشكل جيد، إلا أنهم سربوا معه أطلال النصف الآخر. وفي أغلب الظن أجبرتهم الظروف على إصدار التقرير وختمه ليحظى بصفة رسمية قبل الانتهاء منه خوفاً من أن يقبض عليهم أو تصادر مستنداتهم قبل إصداره.

تدفع شخصية التقرير المذكورة المحللين إلى التعاطي معه بشكل سلبي. على سبيل المثال ترى مقالة المنهجية أنه "في الجزء الخاص بالفساد في قطاع البترول مثلاً يتخذ التقرير هيكلاً مختلفاً ومنهجية لا علاقة لهما بالقسم الأول أو بمقدمة التقرير الموحد للجهاز. فنجد وصفاً تفصيلياً لشركات القطاع العام المملوكة للهيئة، وسرداً تفصيلياً لمسائل فنية ومالية لا علاقة لها بسؤال التقرير الخاص بتحديد تكلفة الفساد. والمفاجأة أنه لا توجد أية أرقام في هذا القسم لتقدير تكلفة الفساد على غرار القسم الأول. كل هذه مشكلات منبتة الصلة عن أي مفهوم للفساد طبقاً لتعريفات التقرير نفسه." ومن هنا وجب علينا تحليل شخصية التقرير والسياق الذي انبثقت عنه حتى يتفادى قراء التقرير السقوط في هذا الفخ، فيتجاهلون، مثلاً، الفصل الخاص بقطاع البترول على الرغم من أهميته القصوى (كما سأوضح بعد قليل).

3. كيف نشتبك مع "تقرير جنينة"

المدخل

من المعروف أن الجهاز المركزي للمحاسبات جهة رقابية تقوم برصد المخالفات وإبلاغ الجهات التنفيذية وجهات التحقيق بها حتى يتم التحقيق فيها واتخاذ ما يلزم لحماية المال العام. وعلى الرغم من أنه ليس جهة إصدار أحكام ينطلق تقرير الجهاز من منطلق تجاهل الدولة لمعظم هذه البلاغات (انظر تأكيد جنينة أعلاه للأسوشيتدبرس الذي أكد فيه أن الدولة حققت في ٧٪ فقط من البلاغات المقدمة ووضعت البلاغات الأخرى في الأدراج).

من هنا يتضح أن التقرير يسعى لإحراج الدولة التي لم تبال ببلاغات الجهاز عن طريق نشرها وإجبارها على إنفاذ القانون فيها، بالإضافة إلى فتح نقاش عام حول الحالات التي رصدها التقرير.

يرتبط هذا الظن أيضاً بتصريح جنينة لليوم السابع الذي تسبب فيما تعرض له أعلاه، حيث يقول فيه "إن العبرة ليست بكثرة التشريعات ولكنها بتطبيق القوانين." وأظن أنه على من يحلل هذا التقرير أن يبدأ بتبني وجهة النظر هذه لاتساقها مع الواقع الذي وصفته فيما سبق. أما إذا انطلقنا من منطلق مقالة المنهجية سنستنتج "أن التقرير يشف عن ضعف الأطر التشريعية والنظم الإدارية، وغياب القدرة على إنفاذ القانون."

وشتان بين الاستنتاجين، فالأول يطالب بتطبيق القوانين ويفسر أسباب تدخل النظام لمنع تسريب هذا التقرير بكافة السبل كما ورد بالتفصيل أعلاه، أما الثاني فيقضي بأن يقوم النظام بتبني التقرير وعرضه على حوار مجتمعي حول التشريعات المطلوبة وسبل تعزيز قدرة "الدولة" على مواجهة هذه الممارسات.

إذا ما تبنى الباحث هذا الموقف يصبح أهم استخدام لهذا التقرير هو توظيف تفاصيله في الضغط السياسي والإعلامي على الدولة من أجل إنزال القانون في البلاغات التي وردت فيه، لا استخدامه كبحث يسعى لتقدير حجم الفساد في البلاد.

إشكالية سوء الإدارة وتدمير قطاعات اقتصادية عامة كاملة

واجه معدو التقرير إشكالية إمعان مدراء بعض الشركات في إساءة إدارة شركاتهم بشكل مستمر. في مواجهة هذه الإشكالية قام معدو فصل "البترول" بتوصيف جوانب سوء الإدارة داخل هذا القطاع وإجمالي الخسارات السنوية المتكررة لشركات البترول التي ترتبت عليها.

لكنهم لم يستطيعوا بالطبع تحديد تكلفة سوء الإدارة بشكل مباشر، ولم يتمكنوا من إثبات تعمد إحداثه ثم تعمد تجاهله من أجل مصالح شخصية أو سياسية محددة؛ اكتفوا بتجميع خسائر هذه الشركات وتوصيف مظاهر سوء الإدارة بشكل تفصيلي، ثم إبراز الإصرار على الإبقاء على هذه الممارسات.

أضافو إلى ذلك سرداً لبعض المظاهر المشبوهة، منها على سبيل المثال قيام شركات بصرف أرباح تصل إلى ٥٠ شهر اًبالإضافة إلى علاوات متتالية 7٪ و12٪، في حين قامت شركات أخرى بالتعاقد مع موردي نظم إنتاج فوردوها معيبة، مما أدى إلى توقف خط الانتاج المذكور دون أن تتخذ الشركة المعنية إجراءت تجاه المورد، وما شابه ذلك من ممارسات مشبوهة.

بمعنى آخر، يبين هذا الفصل الممارسات الإدارية التي أدت إلى تدمير شركات القطاع العام في الماضي، ويعطي القارئ الانطباع أن هذه الممارسات مسكوت عنها. وعليه، فلهذا الفصل قيمة خاصة لأنه يحدد السلوكيات التي تؤدي في النهاية إلى تدمير الشركات العامة، ويشرح كيف يمكن لشركة بترول قوية أن تصبح في النهاية "غزل محلة" أخرى مع الوقت. هو فصل شديد الأهمية لكل من يريد بلورة سياسات وتصميم آليات محددة للحفاظ على شركات عامة ذات إمكانيات عالية من التحول إلى "غزل محلة" بعد سنوات قليلة، وكذلك كل من هم معنيون بوقف تدمير قطاعات اقتصادية عامة كاملة.

تكرير البترول وخطاب دعم المحروقات

يتطرق الفصل نفسه إلى إشكالية تكرير البترول ويثبت أن إنتاج مصافي البترول المحلية في تناقص مستمر، ما يؤدي إلى زيادة الكميات المستوردة من المنتجات البترولية، وأن الدولة لا تفعل شيئاً لعكس هذه الظاهرة وإنما سكتت عنها. ويحاول التقرير أن يشير إلى أن الدولة التي ترفع الدعم عن المنتجات البترولية وتعاني من نقص شديد في توفير النقد الأجنبي لم تبال بتناقص الانتاج المحلي لأسباب لم يتطرق لها.

هنا يحق لنا أن نتساءل عن الأسباب وعن مشروعية رفع الدعم وخطاب أزمة الطاقة، وأيضاً عن أهلية المؤسسات المعنية فيما يخص هذه الأزمة. كما تطالبنا التفاصيل الواردة بتطوير خطاب أفضل وأكثر ثراءاً فيما يخص موقفنا من قطاع الطاقة وقضية دعم الطاقة.

دعم البترول والمال الخاص

تطالبنا تفاصيل هذا الفصل كذلك بالبحث في تأثير المشروعات الاستثمارية الجارية في مجال تكرير البترول على هذه الشركات، وعلى القطاع ككل. فمن المعروف أننا بصدد البدء في تشغيل أول مصفاة بترول استثمارية كبيرة في مصر، وكذلك أول وأكبر مصنع خاص بتكسير النافتا. والمستثمرون في الحالتين من "الناس المسنودة جداً" ولهم علاقات واضحة بجهات رفيعة المستوى في الدولة.

ما الذي سيحدث لشركات تكرير البترول بعد دخول رأس المال الاستثماري "المسنود جداً" إلى هذا المجال؟ وكيف سيكون وضعها بعد رفع الدعم عن الطاقة بما سيجعل من هذا القطاع أكثر القطاعات ربحية في ظل بيئة تغض الطرف عن سوء إدارة الشركات العامة التي تعمل فيه؟ هل ستحرر الشركات العامة مثل الشركات الاستثمارية أم ستتحمل هي تكلفة التحول وتترك لتتعفن كما حدث لشركات أخرى كثيرة في الماضي؟ وكيف سيؤثر ذلك على شركات توزيع المنتجات البترولية، خاصة مصر للبترول والتعاون؟ هل تمهد التطورات المذكورة لتغير جوهري في حقوق الملكية هذه الشركات في ظل الأزمة المالية التي تمر بها الدولة؟ هل هذا هو سبب ترك إنتاجيتها تتدهور مع الوقت على النحو المفصل في التقرير؟ ولنا هنا أيضاً أن نتساءل عن وجاهة وفوائد تعريفات "الفساد" التي تخرج سلوكيات كهذه من نطاق "الفساد"؟ هل يظل لها أي قيمة؟ وإذا كانت هذه الممارسات تتم لأهداف سياسية تتعلق بعلاقات النظام وحمايته، هل يخرجها ذلك من نطاق "الفساد"؟ إذا لم نصنفها كممارسات فاسدة فبماذا نوصفها؟ "أعمال مشروعة"؟

يفتح هذا الفصل الباب لهذه الأسئلة على مصراعيه ويمد الباحث بالكثير من التفاصيل ذات الصلة، ويثير قلقه بشدة في نفس الوقت. وبغض النظر عن طريقة تفاعل الباحث مع التفاصيل الواردة في الفصل، أظن أنه من الواضح أنه لا يجوز أن ينصب استنتاجه على أن هذه مشكلات في غاية الأهمية على المستوى الاقتصادي لكنها منبتة الصلة عن أي مفهوم للفساد لأن ذلك يعني أننا لن نبلور أية تصورات للتصدي لهذه الظاهرة.

النظام مستفيد من الفساد وقادر على تدبير موارد خفية لتمويل احتياجاته

يكشف التقرير كذلك في مجمله، وخاصة ما يخص أراضي الدولة، عن خصائص بنيوية هامة تحكم الممارسات التي يناقشها. فالتقرير يكشف أن هذه الممارسات لا تخص إهدار المال العام لصالح جهات خاصة واستثمارية فقط، وإن مثلت أكبر المستفيدين، لكنه يعدد جهات عامة كمستفيدة من هذه الممارسات أيضاً.

هذا في حد ذاته يتطلب إعادة صياغة مفهوم الفساد بشكل لم يتوقعه واضعو هذه المفاهيم. فالتقرير يكشف أن الدولة غضت الطرف عن ممارسات تتعلق بتخصيص أراضي الدولة على غير ما ينص عليه القانون، عادت بالفائدة على سلطات عامة أغلبها ينتمي إلى السلطات التي تحتكر حق القمع المشروع في البلاد.

يكشف ذلك بدوره خاصيتين مهمتين، أولها هو أن الدولة تدعم الإدارة العليا والوسطى في المؤسسات التي تحتكر حق القمع المشروع، وتشمل جهات تعمل في كافة مراحل دائرة إنفاذ القمع المشروع، بمليارات الجنيهات التي لم نكن نعلم عنها شيئاً. هذا بالإضافة لدعمها المعروف لهم في صورة أجور وحوافز وعلاوات ومعاشات أكبر بمراحل من المؤسسات الأخرى.

ويكشف كذلك أن حجم ونوع هذا الدعم يتخطيان الحاجة إلى ترسيخ ولاء هذه الجهات للنظام الحاكم إلى الحاجة لدفعهم للتوحد مع مصلحته. فحجم هذا الدعم وكونه مشكوك في شرعيته ويمكن أن يزول مع زوال النظام في أغلب الظن سوف يجبرهم على التوحد معه.

ثانياً، تؤكد هذه التفاصيل أن الدولة قادرة على تدبير الموارد اللازمة للفئات التي تريد "تدليعها" بطرق تنطوي على خرق القانون، وذلك في الوقت الذي "تذل" فيه سائر موظفيها بسبب ما يحصلون عليه بطرق مشروعة، وتحجِّم علاوتهم، وتسعى لطرد 5 مليون موظف منهم بحجة قلة الموارد. هنا يوفر التقرير مادة خصبة لتطوير خطابنا الخاص بالأجور والحوافز وموارد الدولة على حد سواء.

كيف سيؤثر هذا الانتشار المريع على الدولة بعد إعادة هيكلتها مؤخراً

الأهم مما سبق هو أن التقرير يكشف أن الفساد وإن تجلى في أكبر صوره فيما يخص أراضي الدولة إلا أنه منتشر على كافة مستويات الإدارة ويشمل ممارسات عديدة خارج نطاق الأراضي. يعدد التقرير هذه المستويات ويوصف ديناميكيات عديدة للممارسات المشبوهة على اختلافها، من الأراضي الكبرى حتى أصغر الحلات، مثل عدم تأجير كبائن سياحية تقع تحت سلطة قطاع السياحة لمدد طويلة (ربما لأن المسؤلين عنها يؤجرونها لحسابهم الخاص).

يضعنا التقرير باختصار أمام ممارسات مشبوهة واسعة النطاق ومتعددة الآليات والأحجام؛ أي أمام نظام نهب كامل.

هنا يبرز سؤال محوري فيما يخص المستقبل، فمن المعروف أن جهازي الخدمة الوطنية والإدارة الهندسية أصبحا أهم مؤسسات تفعيل استثمارات الدولة والتحكم في جزء كبير من أراضيه. كيف ستؤثر هذه التغيرات على الديناميكيات والممارسات التي يرصدها التقرير؟ كيف ستؤثر على ”البيزنيس“؟ والأهم من ذلك هو كيف ستؤثر المنظومة الديناصورية التي يصفها التقريرعلى الجيش عندما تدخل مؤسسات الجيش عرينها؟ هل ستسلم منه؟ هل سيسلم هو منها؟

وأخيراً، وبعد أن شاهدنا رد الفعل تجاه تقرير جنينة وما طاله هو وعائلته من تنكيل، فهل من الوارد أن ترصد أياً من هذه الممارسات ويعلن عنها إذا حدثت في نطاق عمل إحدى المؤسسات العسكرية؟ من سيكون له حق رصدها في المستقبل؟ هل يجوز الحديث عن أجهزة رقابة مدنية في المستقبل؟

ويبقى السؤال العام

كيف تبلور الحركة موقفاً من الممارسات التي وردت في التقرير؟ هل تستطيع حركة سياسية ما إنهاء ممارسات تدر دخلاً شبه ثابت، ليس بالضرورة دائماً كبير، لقطاع عريض وحيوي من مسؤولي وموظفي الدولة على حد سواء، وثراء لم يقدر حجمه بعد على البيزنيس؟ ما هي شروط ذلك؟ وما هي الآلية التي يمكن اتباعها لوقف هذه المنظومة؟

أخشى بعد قراءة جزء صغير من هذا التقرير أن هذه ستمثل مهمة شبه مستحيلة لأي جهة تتصدى للتغيير في البلاد. والأهم من ذلك أخشى أننا لم نبلور أي تصور جاد تجاه ظاهرة على هذا النحو من التعقيد والانتشار، وحتى عندما اشتبكنا معها تركناها بحثاً عن المنهجية.

كما قلت أنا لم أقراء التقرير كله ولم أحلله بعد. ما أوردته هنا هو نبذة صغيرة عن طرق للتعاطي معه بعيداً عن المقولات والتحليلات المعادية له بشكل مسبق. ما أسعى إليه هنا بالأساس هو دفع الحوار حول هذا التقرير إلى منطقة مفيدة، لأنني أظن أن الحوار الدائر الآن يدور في دائرة شديدة الضرر.

بلغة ماركسية: يحتوي هذا التقرير على تفاصيل معقدة وثرية للغاية عن أحوال وممارسات وديناميكيات وعلاقات البنية التحتية للاقتصاد السياسي الدولتي، والتعاطي الإيجابي مع هذه التفاصيل في المستقبل يمثل شرطاً من شروط النجاح في تفسير ما نلمسه في بنية النظام الفوقية. كما يمثل التعاطي الإيجابي مع هذه التفاصيل شرطاً من شروط تطوير خطابات وتصورات وآليات سياسية فعالة لبناء مجتمع أفضل. يبدأ ذلك بإعادة الاعتبار للتقرير والمجموعة التي أعدته. هو تقرير شديد الأهمية قامت بإعداده مجموعة مثابرة، ولن نتقدم للأمام بنفيه على أسس لا تمت له بصلة.

_________________
بلبل حيران









avatar
بلبل حيران
مشرف مميز
مشرف مميز

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 3263
تاريخ التسجيل : 05/09/2011
المزاج المزاج : عال والحمد لله

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى